البخاري
تصدير 49
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
وكلّ إسناد إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثل ذلك ، فأقرّ الناس له بالحفظ ، وأذعنوا له بالفضل » . والحافظ ابن حجر يعقّب على هذه القصة بقوله : « هنا يخضع للبخاري ، فما العجب من ردّه الخطأ إلى الصواب ، فإنه كان حافظا ، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة » ( هدى الساري 2 - 200 ) . * * * هذا هو البخاري الذي وهب حياته لخدمة الحديث وجمعه ، ووفق في اختيار هذا العمل من صغره ، فاطمأنت نفسه إليه ، وامتلأت رضا به ، فأقبلت بكل جارحة عليه ، وأخلصت وقتها وجهدها له ، وأفنت عمرها فيه . وهذا هو البخاري وما منح من قوى عقلية فذّة تلائم عمله ، فصفاء ذهنه نادر المثال ، وقوة حفظه تسابق السمع والبصر في الوعي والتسجيل ، وتنافس البحر في اتساع الجنبات ، والتقبل لكل فيض يجئ ، فتحفظ الكتاب من اطّلاعة واحدة ، وتستوعب خمسة عشر ألف حديث في ستّة عشر يوما ، وتبهر الناس فيظنونها مجتلبة بعلاج ، وتثبت في مواقف التحدّى ، فلا تضطرب ولا تخور . هذا هو البخاري وهذه استعداداته ومواهبه ، فليس بالكثير ولا الغريب أن يذكر في حفظه ما ذكر من الأعداد . وسواء اتفقنا أم لم نتّفق على ما يمثّل حفظ البخاري من هذه الأعداد ، فإن من عاينوا حاله من شيوخه قد تيقّنوا من تفرّده في وفرة الحفظ ، ومن بلوغه في الرواية إلى آماد بعيدة لم يبلغها غيره ، فاعترفوا بفضله ، وشهدوا بإمامته في هذا الباب .